آرتور رامبو . المراهق الذي هز العالم من أذنيه

كتبهاأحمد رضي ، في 19 يناير 2008 الساعة: 11:30 ص

 

آرتور رامبو ـ 1854 ـ 1891

ـ فلتنكسر عارضتي وليأخذني البحر ـ

من قصيدته الشهيرة المركب السكران

ـ لم يكن يحب الله , لكن أولئك البؤساء في الشارع

من قصيدته شعراء في السابعة من العمر

ـ إن الشاعر يجعل من نفسه رائياً عبر اختلال مدروس وطويل
لكل الحواس ـ

من إحدى رسائله النادرة التي تنظر للشعر

آرتور رامبو
فتى الشعر المدلل والمراهق الذي هز العالم من أذنية
لم يحدث في تاريخ الشعر العالمي أن جاء فتى لم يتجاوز
السابعة عشر ليقتحم الشعر ويغير خارطة الشعراء القديمه
والمراعي التي كانوا يسرحون فيها لينقلهم إلى الشهب والنيازك
وإلى لغة جديدة وأزهار جديدة كما فعل آرتور رامبو
وقبل أن يتم العشرين عاماً ترك الشعر للأبد
مخلفاً وراءهُ ديواناً واحداً وهو ـ فصل في الجحيم ـ
وهو الديوان الوحيد الذي أشرف على طباعته وبطبيعة الحال
تكدس عنده في غرفته ولم يهتم به أحد /

إنها محاولة لاستكشاف شخصية الشاعر على مرحلتين
الأولى / هي مراهقته بمدينته شارليفل وانتقاله إلى باريس
والثانية/ هي المرحلة التي ترك فيها الشعر للأبد وغامر في
مناطق لم تطأها قدم رجل أبيض قط وترحاله ماشياً في أغلب
الأحيان حتى أصيب بمرض في ركبته وقُطعت ساقه وعاد إلى فرنسا بعكازين
ومات وهو لم يتم السابعة والثلاثين عاماً

إنه المراهق العبقري الذي رافقته كواكب النحس
ليقضي سلسلة من الهروبات الصغيرة بدأها
بهروبه حين كان صبياً من والدته البورجوازية
ذات التربية الصارمة.. وتوّجها بهروبه الغامض
والذي لم يتمكن أحدٌ حتى الآن من معرفة سبب هروبه الحقيقي /

ومهما تكن اللعنة التي حلت عليه في مدينة شارلفيل
تلك المدينة التي كرهها واحتقرته فإنك حين تزور المدينة الآن
لن ترى سوى صور رامبو في الشوارع والمطاعم وأقيم له
فيها متحف صغير وتم التنبيه بكل خطوة قام بها رامبو في مدينته
المقهى الذي جلس فيه ,
البيت الذي سكنه ,
المدرسة التي درس فيها
بل.. وحتى خربشاته ورسوماته على الورق
مما يذكرك بمقولة محمود درويش
"يريدونني ميتاً كي يمدحوني "

متحف آرتور رامبو في مدينة شارلفيل

وبعد مضي مئة وسبعة عشر عاماً على وفاته لاتزال كل فئة تراه بالصورة التي تريدها

السورياليون جعلوه ملهمهم ,
والهامشيون اعتبروه ناطقاً باسمهم
والمسيحيون صنفوه قديساً على الطريقة البدائية
وقال مفتي المسلمين في باريس أنه اعتنق الإسلام في الصومال
والشيوعيون اعتبروه نصيرهم ,
والفاشيون الطليان جعلوه بين رموز حركتهم المستقبلية
والألمان أعتبروه ألمانياً ولد خطأ بفرنسا
فأقاموا لهُ تمثالاً
والوجوديون صنفوه نموذجهم
والفوضويون والعدميون هو من محازيبهم
والشعراء الحداثيون هو إمامهم
ومنهم من يعتبر بداية الشاعر العربي أدونيس
ماهي إلا نسخ لأعمال رامبو

والتشويه الأخير الذي لحق بصورة رامبو هو ما فعله ليوناردو ديكابريو
حين جسد شخصية آرتور في فيلم " الخسوف الكلي "
وفيه لم تظهر شخصية رامبو المركبة والفريدة
ولم يظهر منها سوى مراهق نزق وبذيء اللسان
وكأنه لم يكن في حياته سوى علاقته
الشاذه بصديقه الشاعر فيرلين ,
وبأختصار ,, الفيلم لم يقدم لنا شخصية آرتور بقدر ما كان استعراضاً لمواهب ليوناردو في تجسيد الشخصيات

 

وبالنسبة لرأيي الخاص فإن آرتور بمرضه الروحي العميق
والذي جعله متعذباً وباحثاُ عن العذاب في وقت واحد
كان كل تلك التناقضات السابقه وأكثر من ذلك ,
إنه كائن ولد خطأ في القرن التاسع عشر
بل إنه لم يحن موعد ولادته بعد حتى كتابة هذه الأسطر ,
إن البشرية سوف تحتاجه أكثر في مستقبلها الغامض
والمخيف كما قال الكاتب الأمريكي هنري ميللر
" أليس ثمة أمرٌ معجز في ظهور رامبو على هذه الأرض ؟
فسر عمله كما شئت ,, فسيظل نوراً لايشحب , لأن المستقبل كله له ’ حتى لو لم يكن لنا مستقبل"

لماذا هذا الهوس العالمي بتتبع سيرة شاعر حين ودع الشعر
لم يكن يهتم بشيء
وهو تتبعٌ دام قرابة قرن كامل متتبعين آثار رحلاته تخللتها الكثير من التشويهات والتصحيحات

وهل لهم الحق بكل هذا الهوس ؟؟
سيكون للقاريء رأيه الخاص بعد تتمة الجزأين
الأول / مراهقته بمدينته شارلفيل وسفره إلى باريس
وعلاقته بالكومونة وبصديقه فيرلين

والثاني / تتبع رحلة الجحيم التي قام بها

 

طفولة رامبو

 

" هناك من يهز بيت الشعر "
الشاعر مالارميه

" أكثر لامبالاة من أمهر الشحاذين
فخور لأنه لايملك وطناً ولا أصدقاء "

"الرقاد وسط الثراء مستحيل فالثروة كانت دوماً مشاعاً "

"ماذا لنا أيضاً يا قلبي غير برك الدم والجمر
وشهقات الجحيم"

آرتور رامبو

ولد آرتور رامبو في 20/10/1854م
في مدينة شارلفيل الواقعه على الحدود البلجيكية والتي تبعد عن باريس بمسافة 270 كيلومتراً , هذه المدينة التي بنيت في
في القرن السادس عشر وصممها مهندس إيطالي
, وهي أشبه ما تكون بالقرية من كونها مدينة
ولد في عائلة برجوازية ,
الأب عسكري هجر العائلة حين كان آرتور بعمر السادسة
والأم متدينة وصارمة في تربيتها لأبنائها ,أخته الكبرى ايزابيل
سيكون لها دور بارز لاحقاً في إعماء الباحثين عن سيرة رامبو
الحقيقية وتقديمها لرامبو كمتدين
وأخوه فريديك الذي توفي صغيراً ’ حين كان عمر آرتور 11 عاماً
وأخته الصغرى فيتالي والتي توفيت في عام 1875 م

كانت الأم تجبر أبنائها بما فيهم رامبو لارتياد الكنيسه وتأدية الطقوس الدينية ,ولم يكن آرتور ذو السبعة أعوام
يطيق أيام الآحاد الضبابية في كانون ,
حيث كان مضطراً وهو في أبهى هندام أن يسمر إلى الأيقونة
ويقرأ مجبراً في الكتاب المقدس ,
لذلك كانت الكوابيس تنهشه
كل ليلة في مخدعه ـ لم يكن يحب الله ..
لكن أولئك البؤساء ببزة العمل

يقع منزل آرتور بالقرب من مركز المدينة ويطل على نهر " ميز " الصغير .. حيث المراكب تترنح على ضفاف النهر وصوت صفارتها معلنة السفر ’ لابد أنه كان في غرفته يستثار لصوت المراكب وأمه تحاول أن تنهي فروضهُ المدرسية
, تنهض راضية فخورة
دون أن تلمح في عيني أبنها الزرقاوين وفي تقطيبة جبينه , الشعور بالتمرد والكراهية ,
كان يبدو مطيعاً طوال النهار ..
هو الشديد الذكاء
ومع ذلك فإن أسارير وجهه في ظل الردهات
المغطاة بالستائر القرمزية
كانت تفضح خباثاته , حين ينام يستسلم لرؤى
تنهش عينيه ويفكر بالأطفال الآخرين عراة الرأس
باهتو النظرات ..
وإذ تفاجئه الأم هكذا .. تنتابها الشفقة عليه ,,
دون أن تدرك مايدور بخلد هذا الصبي

وبنفس الشارع الذي يسكنه تقع مدرسة شارلفيل التي ارتادها
والتي ينطلق إليها ماشياً كل صباح
ويمر بالقرب من من طاحونة ـ
ياترى .. هل سيعرف هذا المراهق الطموح والمجنون أن مبنى
الطاحونة الجميل سيتحول إلى متحف لهٌ بعد ستين عاماً من وفاته
وأين .. في المدينة التي طالمها كرهها واحتقرته ..

إنني في عجلة من أمري لإيجاد المكان والمعادلة

في المدرسة كان تلميذاً طموحاً للمعرفة كثير الأسئلة ,
ولذلك فتح له استاذهُ ايزامبار مكتبته ..
هذا الأستاذ الذي تأثر به رامبو ..
لم يكن آرتور طالباً عادياً كسائر التلاميذ ..
كان ينهي كل سنتين دراسية في سنة واحدة .. ملتهب الذاكرة يستطيع أن يستظهر فصولاً كاملة من الإلياذة باللاتينية بل ويستبدل بعض أبياتها بأبيات منه مرتجله وسرعان ما التهم مكتبة مدرسته ومكتبة بلدته ثم كل ما يستطيع أن يحصل عليه بالمراسلة من مكتبات باريس , فكان في الخامسة عشر
مضرب مثل للتفوق في مدرسته ..

يذكر صديق صباه ديلاهاي في مذكراته ..
أنه أقيمت في المدرسة مسابقة للشعر باللغة اللاتينية..وكان آرتور من ضمن المتسابقين ,, ومع بدء المسابقة علا صرير الأقلام وطرطقة القواميس .. حيث كان مسموحاً باستخدام القواميس للقوافي .. أما آرتور فإنه غفى على الطاولة ..
وحين سألهُ استاذه لماذا لاتكتب
أجابه " أنا جائع " فأحضروا له زبدة مع الخبز وحين التهمها
كتب مئة بيت مقفى دفعة واحدة دون الإستعانة بالقاموس وكان
موضوع القصيدة حسب ماهو مطلوب للمتسابقين
هو شخصية جوكرتا ..
لكنه كتبها لعبد القادر الجزائري الذي كان منفياً
حينها في دمشق وأسماه جوكرتا الجديد
وبطن في القصيدة نقداً لسياسة فرنسا الإستعمارية

فاز آرتور بالمركز الأول وأقيمت احتفالية بهذه المناسبة
وحين تم استدعاء آرتور من بين الحضور للمسرح ليتسلم الجائزة
وقف على المسرح.. ثم تردد بضع خطوات
وغادر دون أن يتسلم الجائزة ..

لماذا رفض تسلم الجائزة ؟؟
لاتوجد إجابة واضحه
هل كان يملأه الغرور الشخصي لدرجة أنه قرر أخيراً رفض الجائزة
هل كان يرى الشاعر أرقى من تسلم الجوائز
أم كان يرى في من يقدم الجائزة ..
برجوازياً طالما كان يكن لفئته الإحتقار ..
مثلما كان يكن الإحتقار لكل مدينته حيث كان يرى في الناس
خنوعاً وبلادة .. وحياة حيوانية لاتهتم بأمور سامية , وكالحيوانات لاتهتم إلا بالأكل والشرب
وأشراف القرية لم يكونوا أشرافاً إلا بأموالهم فقط

ربما نستشف شيئاً من أسباب كرهه لمدينته من
إحدى رسائله إلى استاذه ايزامبار


استاذه ايزامبار

" أنا في غاية الغضب , والمرض , أشعر أني كالحيوان أو كالوهم
كان أملي أن أتحمم بماء الشمس وأن أقوم بنزهات لانهاية لها
حيث أكتشف العالم وأقوم بمغامرات ,, وأتصوف
وأخيراً كان حلمي أن أحصل على الجرائد والكتب ..
البريد لم يعد يرسل أي كتاب
وباريس تسخر منا بحماقه .. ولا كتاب واحد جديد
أشعر أني مسحوق
الجرائد المحلية لم تعد تتكلم سوى عن حياة البرجوازيين
وحتى الرأي العام لم يعد يهتم بأي خبر ثقافي ..
هإ .. هذا رائع .. أصبحنا غرباء في بلدنا

مديني شارلفيل تتفوق على كل مدن المنطقه بالغباء والحماقة
أنت سعيد لأنك لم تعد تسكن فيها "

تأثير الأم في تكوين رامبو النفسي

كانت والدته امراة قوية وذات كبرياء ,
جافة في مشاعرها تجاه أبنائها , وأيضاً متدينة
وحين هجرها زوجها غيرت اسمها من مدام رامبو
إلى الأرملة رامبو
حيث كانت ترفض فكرة كونها مطلقه أو مهجورة , وتفضل الترمل .. كما كان لها علاقة غرامية سرية لم يكن يسمح لها كبرياؤها بإعلانها على الملأ
وهجران والد رامبو
أثر في علاقتها مع ابنائها فحاولت باللاشعور أن تقف في وجه تطور أبنها كطفل .. لم تكن تريده أن يكبر .. لأنها تريده أن يكون تحت سلطتها فقمعت حريته بالأكتشاف ولم يكن مسموحاً له بالإكتشاف إلا عن طريقها

نستطيع إذن أن نفهم شعور آرتور "باليتم "
فالأب غير موجود والأم جافه ولاتشعره إلا بالإهتمام
ولا تعطيه سوى الأوامر وربما كان
اهتمامها به من باب الواجب الديني
هذا أدى إلى أن يعاني رامبو من مشاعر متناقضة تجاه والدته
بين الكره والإعجاب
ولكي يحل الصراع النفسي ويرتاح من تأنيب الضمير وجه مشاعره العدائية الى ذاته
فكان يشعر دائماً بانه شخص منبوذ , غير محبوب
من والده الذي هجره .. من أمه الجافه .. من مجتمعه البسيط
الذي لم يستوعب عبقريته
وهذا الطفل حين أكتشف أن ما تمنعه أمه عنه بحجة الحب لم يكن سوى أكاذيب فلم يستوعب كيف يجتمع الحب مع القساوة
لم يشعر أنه ابن بقدر ماكان يشعر أنه مستعبد
ومن هنا نستطيع أن نفهم توقه الأبدي للحريه
وهو الطامح إلى ـ الحرية الحرة ـ وهو صاحب الجملة التي استخدمها الصعالكة لاحقاً في الخربشة على الجدران
ـ ممنوع المنع ـ

ورامبو ككل الأطفال ولو كان عبقرياً فإنه يتعطش للحب
أكثر مما يريد الأوامر أو تنفيذ الواجبات
فتحول صراعه الداخلي وكرهه الى والدته
وهو الكره الذي لايستطيع أن يصرح به أو يعترف به أمام نفسه إلى مشاعر كره للذات .. وكره لمدينته
وكره لكل الأخلاق الكنائسيه الشكلية التي تمثلها والدته

فحاول طوال حياته الهرب من هذا الشعور باللجوء
إلى الحشيش , الكحول , الأفيون
والهرب من منزله مرتين حين كان مراهقاً
ثم أعادته والدته بالإستعانة بالشرطة
وفي المرة الثانية عاد خائباً من باريس
بعد هزيمة ثورة الكومونة ,
وسوف نفرد لها باباً خاصاً لاحقاً

تكوين رامبو النفسي
متعطش للحب , معطاء لأقصى الحدود
وربما هذا هو سبب شعوره بالخيبه والخذلان الدائم , كان مستعداً للتضحية بكل مايملك في سبيل من يحبهم ,وبقدر حبه المثالي
بقدر ما كانت ردة فعله عنيفه ..
في صباه أعطى الله كل قلبه ,, لكنه خذله
ذهب الى الثوار ماشياً على الأقدام من شارلفيل إلى باريس لكنه استاء من تصرف الجنود معه ..
خيبته من الناس الذين كان يدافع عنهم ويعطف عليهم

كان يتعلق بقشة حب , ولهذا تعلق باستاذه في المدرسة ايزامبار الذي ساهم في زيادة ثقته بنفسه وتوسيع مداركه ..
وحتى استاذه اضطر للسفر عن المدينه تاركاً رامبو
يعاني من الغربة النفسية

جراح رامبو في طفولته لم تندمل ,, فلم يلجأ
إلا للطبيعة .. لأنها تحبه دون مقابل

كانت بينه وبين أخلاق زمانه الدينية
قطيعة دائمة
كان يرى الأخلاق صافيه بمنظاره الخاص
خالية من المصالح والواجبات والشكليات

لذلك نستطيع القول أن والدته دون أن تشعر هي التي صنعت شخصيته اليائسه .. الكارهة للذات وللقيود الدينية والمجتمعيه
ولم يجد من يبثه همومه سوى الورق ..
لأنه كشخص يظن نفسه منبوذاً ..
لايمكن أن تكون معاناته شيء ذات أهمية


رامبو مع الشاعر فيرلين ـ باريس ـ

ولعل تعلق رامبو بالشاعر فيرلين ـ سنورد لها لاحقاً باباً خاصاً ـ
وقيامه بعلاقة شاذه معه .. كتعويض للحب المفقود ..
ولكنه كان يشكك أيضاً بحب فيرلين له فلايستطيع التصديق بأنه يمكن أن يكون محبوباً ..
كما أن فيرلين كان متزوجاً وله بعض النزوات النسائية , وفي النهايه تعامل فيرلين مع رامبو بطريقه حطمت شخصيته بنفس القساوة التي حطمتها أمه حين أطلق عليه
فيرلين مرتين النار .. إحدى شظاياها
أصابت ركبته ,,وتم سجن فيرلين عامين

" أشعر أنني في الجحيم .. إذن أنا فيه "

كان معطاءاً .. وخدوماً ..
يعطي كل شيء لم يتمكن من الحصول عليه من والدته ..

قضى كل حياته باحثاُ عن ذاته التي بقيت مجهولة بالنسبة له لأنه تعلم كره ذاته من الصغر
فيرى نفسه كمارد قبيح , غير ذا أهمية كشاعر
وشذوذه الجنسي كان يراه مجرد نزوة عابرة نتيجة للظروف ..
وبعد سلسلة من الخيبات مع الله . مع والدته ..
مع ثورة الكومونة .. مع صديقه فيرلين أخيراً
تفرغ لكتابة فصل في الجحيم وهو الديوان الوحيد الذي اشرف بنفسه على طباعته لدى ناشر بلجيكي ..
وكان يدخن في غرفته مع أكداس من الديوان كالبطاطا الفاسدة .. قرر ترك الشعر مرةً واحدة وللأبد ..
والقيام برحله يجوب بها العالم هارباً من كل شيء
وخاصةً من والدته التي تريده أن يكون
عاقلاً وناضجاً وصاحب ثروة
وسوف نفرد لرحلة العذاب التي قام بها فصلاً خاصاً لاحقاً

مهما كان كرهه لوالدته ..
فإنه في قرارة نفسه كان يريد ارضاءها وإثارة أعجابها
فحين سافر قام بكل الأعمال التي يقوم بها الناس العاديون .. مشرف عمال في قبرص
مجند في الهند .. وغيرها الكثير من الأعمال
وأخيراً مهرب أسلحه بين اليمن وأثيوبيا
وجمع له ثروة صغيرة أربعون ألف فرنك
لاتقاس بمدى العذاب الذي وجده في أفريقيا
حيث كان يقضي أغلب ترحالاته ماشياً ,
وقبل وفاته بدأ يقتنع بالزواج عملاً بنصيحة والدته
حيث كان يراسلها من اليمن ,
لكنه لم يكن يرغب بالعودة إلى المكان الذي هرب منه
وشاءت الأقدار بعد ترحال وهروب
دام إحدى عشر عاماً أن يصاب بمرض خبيث
في ركبته جراء المشي الطويل في الرطوبة
وربما تكون طلقة فيرلين هي السبب
شاءت الأقدار أن يعود مضطراً للعلاج إلى فرنسا ..
فيوضع في مستشفى بمارسيليا
أن يعود مرةً أخرى كأي مراهق فار إلى بيته صاغراً.. وأن يواجه والدته والتي كانت حتى آخر لحظة ترى ابنها لم تكن تشفق عليه أو تعتني به .. كانت أخته الكبرى ايزابيل تعتني به وتجبر نفسها وهي المتدينه أن تصغي لزندقة هذا المحتضر مقطوع الساق .. والذي كانت آخر هلوساته قبل الموت .
أبرقوا إلى القبطان إني مسافر على متن الباخرة غداً

بدايته الشعرية :

حين كان آرتور طالباً ..
لقب بـ ( المتدين الصغير القذر ) وهو لقبٌ تباهى بهِ حينها ,
تماماً ككل الألقاب التي لحقت بهِ بعدها , وهذا مفتاح أيضاً لشخصية رامبو ..
فهو يتباهي بكل عملٍ يقوم بهِ.. سواء للرب أو الشيطان ..
سواء كان شاعراً أو ثورياً أو تاجر أسلحة
وبائع للرقيق لاحقاً في هرار
وكان مزاجه الطبيعي حينها , فرح , عطوف , مفتوح القلب
ولأنه سريع النضوج .. يكفي أن يتذوق
جزءاً من الشيء ليعرف كنهه وأبعاده
أو أن يمر بتجربه واحدة ليعرف حقيقة الحياة
في صباه عشق فتاة .. لقبها في إحدى قصائدهِ ..
بالفتاة بنفسجية العينين ..
ونحن لانعرف عنها شيئاً .. لكنني بمحاولة تقمصه
ـ أستطيع القول أنها كانت
تجربته الأولى في الحب .. ولم يخفق هذا الحب بسببها
.. بل هو الذي كان يتهرب منها
إنه الخوف من الحب.. أو ربما الخوف من سعالي جهنم !

في سن الثانية عشرة كان يتقن اللغة اللاتينيه ,
ودرس جيداً الكتاب المقدس
حتى أنه في صباه نظم قصائداً دينية ..
وبلغ بهِ الإيمان حد التشوق للإستشهاد
لكنه بعد ثلاث سنوات .. حين بدأ بالنضج ..
وتفتقت رغبته بالتحرر ..
يهتف في قصيدتهِ ( شمسٌ وجسد )
ـ بالجسد ـ بالرخام ـ بفينوس أؤمن
ويتحدث عن أفروديت وهي تلقي على الكون "
حباً لامتناهياً في ابتسامةٍ لامتناهيه "
ويقول ان العالم سيجيب .. سيهتزُ ..
" مثل قيثارةٍ هائلة في ارتعاشةِ قبلةٍ هائله "
وقد نشرها في جريدة ( البارناس الصغير )
وهو هنا يعود إلى براءة الوثنية ..

يقول فيها :

وفي الفجر يغني الديك الذهبي
وفي البيعد مثل سرابٍ نائي : المدن البهيه
وفي السماء شعوب الأرض تسيرُ ..وتسيرُ
في كل مكانٍ أوبراتٌ خرافيه ..
أوبراتهُ.. وأوبراتُ الرجالِ الآخرين
الخلقُ يفسحُ المجال للخلق
والتهاليلُ تتلو التهاليل
ولا نهاية تتبع لانهايه

الجميل في شعر رامبو.. أنه يخترقك حتى ولو لم تفهمه
أنك تشعر به يخترق روحك .. في كل عباره جوهرة مختفيه
لأنه يتكلم بلغة الروح .. قد تبدو لنا قصائده بالغه في الرومانتيكيه
لكنها مأساة رجل هذا القرن ـ الخواء ـ فهو فقد ثقته بإمكانية تحقيق الجنة
على الأرض .. نحن الآن نتكلم بلغة ميته .. تركنا الله ..
وأسلمنا كل مقاديرنا للعلم ( ملحدين )
ولم يبق لنا سوى الجحيم الفرويدي العميق .. اللذه تلو اللذه ..
والدينيون أسلموا كل زمام أمورهم لليقين الأعمى
الذي لايتحرك للأمام
لا أحد يبحث عن تغيير الحياة تغيراً جذرياً.. وقلب مسيرة التاريخ رأساً على عقب
كلنا لم نعد نؤمن سوى بالإصلاحات ,
واستبدال نظام معفن بآخرى معفن
وتغيير مواقع النفايات الحضاريه ..دون إزالتها ..
ضياع الفرد في عالم لايستطيع السيطره عليه
الحضارة ماضية ..إلى أين .. نحو المجهول..
أكتشفنا الذرة .. لكننا لم نكتشف بعد ماهو الإنسان
, وكوامن الشر لديه
أصبحنا نثق بالذره.. ولانثق بالإنسان ..
أكتشفنا القنبله النوويه .. واكشتفنا أننا لانثق بالآخرين
إلى أين نمضي.. هل يستطيع أحدٌ أن يوقف الآله
ويضغط على الزر.. كلا..
أن العجله تدور.. وسوف تطحننا شئنا أم أبينا !!!!!!

أكتشف رامبو .. فراديسه وهو طفل .. ونادى بها شاباً
وتخلى عنها رجلاً بعد أن حُرم من دخول مملكة الحب
وأستطيع القول أنهُ دخل مرحلة النبوة سريعاً ..قبل أن ينضج جيداً
كل الأنبياء يبدأون متأخراً بعد أن يكونوا قد استعدوا نفسياً
أما هو فبدأ مبكراً في سن الثامنة عشر..
فلم يستطع إلا أن يهرب من نفسه
أكتشف حقيقة هذا العالم ..
وهرب من الباب الخلفي..حتى أنك تشك في بعض
صورهِ حين كان في عدن أو إفريقيا ..
وكأنه شخص مختلف .. وهو بحق كان مختلفاً
لم يكن هو رامبو.. لقد نسي نفسه تماماً .. وهذا ماكان يريده

رامبو في أثيوبيا

ولكي تعرف ماهي حقيقة هذا العالم ..
توقف خمس دقائق عن قراءة الموضوع .. واستمع إلى أغنية فيروز ( شو بيبقى )

كانت رغبته عارمة بالتحرر ـ وحين أكتشف أنه عبد معموديته ..صرخ
كما ورد في فصل في الجحيم ـ ياوالديَّ لقد دبرتما تعاستي ـ
و " لاشيء يوهمني .. لا الأساطير ولا الشخوص "
" كل ما علمناه زائف "
ومراهقاً.. يكتب بالطبشور على باب كنيسة مدينته " فليسقط الله "
لم تكن غطرسته على المنكودين والبؤساء .. بل على الزيف والخداع
فهل حقاً أرباب الكنيسة .. هم مؤمنون حقاً ..
أم أنها مجرد شكليات متوارثه
كانت ثورته على كل شيء مدمر للحياة ..
كان يريد أن تعود الأرض فردوساً
ومكاناً للخلق الجديد .

أنا لا أثق بالشتاء لأنه فصل الراحة
أعطنا عيد ميلاد على الأرض .. لا المسيحية
لم أكن مسيحياً البته .. لم أنتسب إلى جنسكم .أجل
إن عيناي مغمضتان عن نوركم . إنني وحش . زنجي
لكن يمكنني أن أنال الخلاص !
وأنتم الزنوج المزيفون ..
أيها التافهون.. المسعورون . الخبثاء
أنا الزنجي الحقيقي أقول : ليكن لنا
عيد ميلاد على الأرض.. الآن ..أتسمعونني

آه ..
أحياناً ..أرى في السماءِ شواطيء لاتنتهي
تغطيها أمم بيضاء فرحه

كان حلمه كونياً .. يتحدث بلغة الزنوج المتمردة
ـ نحن العبيد يجب أن لا نلعن الحياة ـ

ويقول ـ مادامت كل لغةٍ فكره .. فلسوف يأتي يوم اللغة الكونية
هذهِ اللغة الجديدة ستتحدث من النفس إلى النفس ..
جامعةً كل الروائح
والأصوات والألوان.. ورابطةً كل فكر ـ
وكانت أداته في هذهِ اللغه .. هي الرمز الذي لايمتلكه إلا الرائي

ما أحوجنا لهذهِ اللغه الآن .. إننا كلنا نتحدث عن نفس الشيء
لكننا نقصد أشياء أخرى .. الغرب يقول الحريه ..
ونحن نقول الحريه
ولا أحد يصغي للحريه أو للآخر ..
كلنا نقول :" يالله " .. ولا أحد يعرف هل سوف نرحم بهذهِ الكلمة
أم تقطع رؤوسنا بها !

كان رامبو يوقع قصائد بتلك الفتره بـ " التعس عديم القلب "

مأساة رامبو هو براءته .. أن كلَ حرفٍ يكتبهُ يعيشه كأنه واقع
تخيل أن بإمكانهٍ تغيير الحياة / وليس تعديلها فقط
وأن يقيم إنساناً جديداً والمفتاح لذلك هو المحبة , والخلاص
يكون بالحرية , أليست الحرية هي التمايز ..
وإيجاد هوية المرء في عالم يتجه إلى مماثلة كل شيء!
كان الفردوس ماثلاً أمام عينيه ..إنه يراه على الأرض
يلمسه .. وأراد أن يحققه على الأرض

ملصق يجسد آرتور بالحجم الطبيعي في شارلفيل

كومونة باريس 1871 م

"غلمان باريس يهاجمون السماء"
ماركس

نستطيع القول أن آرتور من خلال شعره
كان يتنبأ أو يطمح بقيام ثورة تغييريه
حيث كتب ملحمة الحداد / إلى السلاح أيها المستعبدون
/ باريس تعمر من جديد
حيث يقول فيها

أيها المسفلسون , المجانين , الملوك , البهلوانات
أتظنون أن باريس الماجنة ستتأثر بسمومكم
أن هذهِ الغانية الحمراء بثدييها الكبيرين المحاربين
ستفاجئكم بقبضتها المشدودة

وحين بلغته أنباء الثورة وهو في مدينته شارلفيل صاحَ :
هذا هو الصواب.. هذا هو الحل.. لقد هُزم النظام

لم تكن كومونة باريس مجرد ثورة بل كما يصفها ماركس
" أول ثورة بروليتارية في التاريخ "
واستمرت هذهِ الثورة شهرين كاملين ..حيث أقيمت حكومة الكومونة
زأنتهت بمذبحه راح ضحيتها ثلاثون ألفاً..
نجى منها الشاعر بالصدفة

كان صديقه الشاعر فيرلين في باريس
يصيغ الخطابات الثورية وفي صفوف
المقاومين , وأرسل إلى رامبو في شارلفيل " إننا ننتظرك "
ولم يكن آرتور يملك المبلغ الكافي ثمناً لتذكرة القطار .. لكنه استقله على أية حال
وبمنتصف الطريق طرد من القطار لأنه تذكرته لم تعد تفي ..
إلا أنه واصل السير مشياً على الأقدام ..
ولقد برر سبب التحاقه بالكمونة في رسالةٍ لأستاذهِ ايزامبار
يقول فيها " سأصبح عاملاً .. هذهِ هي الفكرة التي تملكتني عندما دفعني الغضب المجنون
إلى معركة باريس حيث يموت هناك العمال بينما أنا أكتب إليك "

وصل رامبو إلى باريس في أوائل نيسان
والتحق بأقرب موقع عسكري للكومونة
وعندما عرف الحرس الوطني أنه جاء مشياً
على الأقدام وأنه لايملك شيئاً ,
دارت القبعة على الجنود , وجمعوا له مبلغاً كافياً
فما كان منه إلا أن اشترى بهِ شراباً للجميع فرحاً بقدومه بينهم !

يتبع /

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “آرتور رامبو . المراهق الذي هز العالم من أذنيه”

  1. وااو شكله خطير والله

    مشكور اخوي على المعلومه القيمه :)

  2. مررررررررررررررررررررررررهـ شي حلو والاحلى مراهقته المغامره

    يسلمو على المعلومات الرائعه00



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر